|
|
 |
|
 |
| |
| ضد عبقرية المكان |
| |
وتلك الأيام نداولها بين الناس " المداولة هنا وبناء الدول مرتبطان بالزمان لا بالمكان , فسيطرة الدولة علي الزمان فيه عبقرية الحكم , أما السيطرة المكانية وحدها ففيها أسباب هذا الحكم لا رقيه أو اتساع مجاله , العبقرية تكمن في تحريك المكان لا سكونه , تحريك يجعل للمكان امتداد في الزمان , فالناظر إلي الدولة الأمريكية الآن يلاحظ أنها دولة مثل كل الدول , بها حكومة , ولها شعب , ولها أرض ذات حدود دولية معترف بها , إذن هي في حقيقة الأمر وجوهر العلاقات الدولية وقوانينها لا تختلف عن دولة مثل جواتيمالا أو زامبيا أو حتي موزمبيق , هذا إذا ما أعتمدنا المكان كمقياس للقدرة
أما إذا نظرنا إلي عنصر الزمان , فلا يحاول أحدنا كثيراً , مهما تكن توجهاته أن ينظر , بأننا في الزمان الأمريكي , البعض يسمي هذا الزمان بالإمبراطورية , والبعض الآخر يسميه بالحقبة الأمريكية , وهناك آخرون يقولون بالقرن الأمريكي الخ , ويبقي أن كل الصفات التي تصف التمدد الأمريكي الكوني هي في النهاية صفات زمانية , وليست صفات مكانية , أي الزمان دول , بمعني التبدل , ولكنه أيضاً يعني الدولة الزمانية , القادرة علي اختراق حدود المكان وتمدد في الزمان , لذلك كان لي هدف محدد في مقالي الأول من هذه السلسلة , عندما تحدثت عن صديقي رائد الفضاء
وحواري بجامعة فى الرايستاح عن فلسفة الزمان والمكان .وبحدثين له عن عاداتنا في الصعيد التي تقسم الزمان لتغير ملامح المكان , كنت أود أعيده إلي حالة هو يعرفها , ولمن لم يقرأ ذاك المقال الأول أختصر النقطة في الآتي ( في البيت العادي الذي لا توجد فيه غرفة نوم ومعيشة وخلافة , يحاول الناس التلاعب بعنصر الزمان , فتوضع المائدة فيصبح المكان حجرة طعام , وتزال المائدة وتفرش الحصر والملاءات فيصبح المكان غرفة نوم , هذا باختصار شديد .
كنت أحاول دفع رائد الفضاء في اتجاه مغاير , وأذكره بأن حركته في المكان , هي في حقيقتها جزء من تغيير الزمان , هي وصلة في بناء الزمان الأمريكي . كما ذكرته بأننا كمسلمين لا نعرف كلمة " الفضاء ", فالفضاء دائماً ممتلئ هو مكان يكون الله فيه إلي عبده أقرب من حبل الوريد , وكذلك يكون الله في كل شيء فالكون دائماً في حالة وجود , لا حالة عدم وفراغ .
والمكان الإسلامي مكان حركة , يكون فيه السكون من أجل انطلاق , الثبات فيه ليس هدفاً " فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ", وهذا يعيدنا إلي علاقة المقدس بالدنيوي التي ذكرتها في نفس السلسلة من المقالات , المكان المقدس هو تجمع من أجل انطلاق ,( الانتشار في الأرض ), والانتشار هنا هو بناء لحركة المكان , وتغيير ملامح الزمان , ولولا الانتشار في الأرض والحركة ما كانت هناك مكانه للمكان , فالمكانة تأتي من عنصر الزمان لا من المكان .
المكانة هي سيطرة المكان علي زمانة , ومن هناك تكون مكانة الدولة , مكانة الدول تتدرج حسب قدرتها علي السيطرة علي الزمان , فأمريكا الآن دولة ذات مكانه أكبر من مكانة بريطانيا أو فرنسا ليس لأنها أكبر مكان لأنها أكثر إمتلاكاً للزمان , ذلك لأن الزمان الفرنسي قد ولي وكذلك الزمان الإنجليزي .
الزمان الإمبراطوري الإنجليزي , زمان الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس , وغروب الشمس وشروقها هو فعل زماني وليس مكانياً , الشمس والقمر علامات لتحديد الزمان , ولذلك هناك التاريخ الشمسي والتاريخ القمري التي أشرت إليهما سابقاً .
الآن نحن في زمان أمريكي , وكنا من قبل في زمان بريطاني , وكنا أيضاً في زمان هيليني يوناني , وكذلك كنا في زمان مصري فرعوني .
ومن هنا يكون القول إن عبقرية مصر هي عبقرية مكان . قول ناقص , فعبقرية المكان لا تفسر لنا غياب المكانة , إذ كيف نقول أن نفس المكان الذي أعطي رمسيس الثاني تمدداً أمبراطورياً , وكذلك أحمس , وكذلك حتشبسوت كيف يكون ذات المكان , هو أيضاً مكان عصور الإنحطاط والإضمحلال في فترات مختلفة , والمكان وحده لا يفسر الكثير عن المكانة . المكانة هي عامل زماني لا مكاني رغم أنها مشتقة من المكان , ولكن المكان المتحرك هو الذي يفعل في الزمان فيضفي علي المكانة مكانة , ففي الحركة طيب ونشوة وإشراق , وفي ذلك يقول الشافعي " إني رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب ", وما ينسحب علي الماء ينسحب علي الدول , شريطة أن يدخل العنصر الأساسي الذي يغير المكان إلي مكانة بالتفاعل مع الزمان , هذا الفاعل هو العنصر البشري , الإنسان إذن المعادلة هي زمان ومكان وإنسان . يبقي المكان جامداً وإستاتيكياً ( أي غير متحرك ), يعافر فيه الإنسان وينقله بحركته من مكان إلي مكانه , يسود فيها زمانه علي زمان غيره .
المشكلة لدينا في الحالة المصرية هو أننا بدأنا في ترديد مقولات معلبة كان المكان في كل الأحوال هو العنصر الحاكم فيها , فدونما نقد كرر كثير من المصريين , حتي النابهين منهم مقولة " مصر هبة النيل ", وهي مقولة في الحقيقة تلغي إسهام الإنسان المصري , وتضعه في دور المتلقي لهذه الهبة من الطبيعة , رغم أن الأساس في هذه الهبة هي الطريقة التي تفاعل بها هذا الإنسان مع النيل وطور زراعته , وطوع فيضانة , إذن مصر " هبة أهلها ", وليست هبة النيل , ولكن هيرودوت الذي أحب مصر المكان , ولم يحب مصر الإنسان , قرر أن هذا الإنسان عديم الفائدة , بذلك يكون كل ما هو مصري نتيجة لهذا النيل وليس لهذا الإنسان وهذا سلوك نراه في كثير من الكتابات الغربية عن مصر . المكان هو الأساس أما الإنسان فليس مهماً , وإن قرر بعضهم أن يعترف بالإنسان فهو لا يعترف إلا برأس السلطة , كما كتب الدكتور " جون ونزبري ", في كتابة المرسوم " مصر ناصر والسادات ", فرغم نباهة الرجل إلا أنه إختصر الأمة والإنسان في شخص السادات وناصر , وفي هذا إخنزال مخلف مظلم بين ,مصر هبة أهلها جميعاً .
ولم تكن مقولة مصر هبة النيل هي المقولة الوحيدة التي تركز علي المكان , ولكن كانت هناك مقولات عبقرية المكان , أي الجغرافيا , وهي مقولة مختزلة أيضاً ومقولة بدائية في أحسن أحوالها , فجغرافيا المكان مهمة , ولكن جغرافيا الزمان أهم بكثير .
فجغرافيا الزمان هي التي توجد المكانة المصرية وكذلك تجعل من مصر عبقرية تفاعل زماني ومكاني , ولذلك رأينا عصوراً عبقرية في مصر عندما تفاعل الزمان والمكان بواسطة الإنسان بشكل جيد , ورأينا عصور انحطاط عندما إرتكزنا علي محور المكان فقط وهمشنا الزمان والإنسان . أعتقد أن ترديد هذه المقولات التي تبدو في ظاهرها وطنية , هو خسران مبين , إذ لابد من التركيز علي النباهة التي توصل الزمان الروحي , بالزمان العولمي , بالمكان المصري .
فالمكان حتي في ديننا هو مكان مرتبط بصفات محددة , والناظر إلي وصف القرآن لمكة مثلاً يري فيها نظرية الأمن القومي للدولة الحديثة , من دخل البيت فهو آمن , فقيمة البيت ليس جدرانه وإنما في أمنه وأمانه , في الأبعاد الأخرى للمكان , المكان لابد وأن تتوافر فيه شروط , وخذ علي ذلك مثالاً آخر وهو قولة تعالي " فليعبدوا رب هذا البيت , الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ", هنا ترتبط العبادة بأن يجد الناس ما يكفيهم من طعام ولبس , وليس هذا هو الشرط الوحيد , وإنما ايضاً شرط الأمان وعدم الإحساس بالخوف . وهي أيضاً علاقة بين حاكم ومحكوم , ولكن لن يتوافر هذا إلا بعلاقة المكان بالإنسان وبالزمان , علاقة يجب أن يوسع الحوار حولها في إطار أكثر نقداً وأكثر شمولاً , حتي لا نبقي في المكان ونخرج من الزمان دونما أن نحس |
|
|
 |
|
 |
التعليقات
يجب تسجيل الدخول أولا حتي تتمكن
من التعليق
تسجيل
دخول ||
للتسجيل
اضغط هنا
|
|
|